ابن قيم الجوزية
246
الروح
ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ « 1 » فما أليق هذا الاستدلال بظاهريته لترتيب الأمر بالسجود لآدم على خلقنا وتصويرنا والخطاب للجملة المركبة من البدن والروح وذلك متأخر عن خلق آدم ولهذا قال ابن عباس وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ « 2 » يعني آدم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ لذريته . ومثال هذا ما قاله مجاهد خَلَقْناكُمْ يعني آدم و صَوَّرْناكُمْ في ظهور آدم وإنما قال خَلَقْناكُمْ بلفظ الجمع وهو يريد آدم كما تقول : ضربناكم ، وإنما ضربت سيدهم . واختار أبو عبيد في هذه الآية قول مجاهد لقوله تعالى بعد : ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا « 3 » وكان قوله تعالى للملائكة اسجدوا قبل خلق ذرية آدم وتصويرهم في الأرحام ، وثم توجب التراخي والترتيب فمن جعل الخلق والتصوير في هذه الآية لأولاد آدم في الأرحام يكون قد راعى حكم ثم في الترتيب إلا أن يأخذ بقول الأخفش فإنه يقول : ثم هاهنا في معنى الواو . قال الزجاج : وهذا خطأ لا يجيزه الخليل وسيبويه وجميع من يوثق بعلمه ، قال أبو عبيد : وقد بينه مجاهد حين قال : إن اللّه تعالى خلق ولد آدم وصورهم في ظهره ثم أمر بعد ذلك بالسجود . قال : وهذا بين في الحديث ، وهو أخرجهم من ظهره في صور النذر . قلت : والقرآن يفسر بعضه بعضا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ « 4 » فأوقع الخلق من تراب عليهم وهو لأبيهم آدم إذ هو أصلهم واللّه سبحانه يخاطب الموجودين ، والمراد آباؤهم كقوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ « 5 » وقوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ « 6 » الآية وقوله تعالى : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها « 7 » وقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ « 8 » وهو كثير
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 11 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية 5 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآية 11 . ( 4 ) سورة الحج ، الآية 5 . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية 55 . ( 6 ) سورة البقرة ، الآية 61 . ( 7 ) سورة البقرة ، الآية 72 . ( 8 ) سورة البقرة ، الآية 93 .